محمد حسين علي الصغير
13
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة - لتبين له في نظامها ومخرجها ، وفي لفظها وطبعها أنه عاجز عن مثلها ، ولو تجدي بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها » « 1 » . فعبارة القرآن إذن من سنخ ما يعرفون ويدركون ، ولكنها ليس من جنس ما يحسنون لا كمّا ولا كيفا ، فطلب إليهم الإتيان بمثله فما استطاعوا ، وتنزل على عشر سورة فما أطاقوا ، فتحداهم بسورة واحدة فقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 23 « 2 » وقد دل الاستقراء أن أقصر سورة القرآن هي الكوثر بسم اللّه الرحمن الرحيم : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ 1 فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 2 إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 3 « 3 » . فما بال الأمم لا تأتي بسطر واحد من هذا الجنس ؟ وإذا كان القرآن قد أعجز العرب ، فغير العرب أشد عجزا لأمرين : الأول : أن العرب هم أهل اللسان ، وقد عجزوا عن مجاراة القرآن ، فغير أهل اللسان عاجزون من باب أولى . الثاني : أن اللغة العربية الشريفة ليست لغزا من الألغاز ، وهي قابلة للتعلم ، وقد نبغ فيها كثير من مسلمي غير العرب ، وأتقنها حملة من المستغربين والمستشرقين حتى ترجموا القرآن إلى لغاتهم وقدموا أفضل الدراسات القرآنية ، وإنما التحدي أو يتحدى الإعجاز القرآني من كل أمة علماءها ، وعلماء الأمم يتمكنون من العربية ، فتوجه إليهم التحدي وعجزوا عن ذلك في كل زمان ومكان . قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً 88 « 4 » . وقد يقال بأن اللّه قد صرف قلوب الناس ، وحبس ألسنتهم عن أن
--> ( 1 ) الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، تحقيق السندوبي : 120 . ( 2 ) البقرة : 23 . ( 3 ) الكوثر : 1 - 3 . ( 4 ) الإسراء : 88 .